محمد بن جرير الطبري

335

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

السورة ، يعني المائدة ، آية القلائد ، وقوله : فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ، فكان النبي ( ص ) مخيرا ، إن شاء حكم ، وإن شاء أعرض عنهم ، فردهم إلى أن يحكم بينهم بما في كتابنا . وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال : إن حكم هذه الآية ثابت لم ينسخ ، وإن للحكام من الخيار في الحكم بين أهل العهد إذا ارتفعوا إليهم فاحتكموا وترك الحكم بينهم والنظر مثل الذي جعله الله لرسوله ( ص ) من ذلك في هذه الآية . وإنما قلنا : ذلك أولاهما بالصواب ، لان القائلين أن حكم هذه الآية منسوخ زعموا أنه نسخ بقوله : وأن احكم بينهم بما أنزل الله ، وقد دللنا في كتابنا : كتاب البيان عن أصول الاحكام أن النسخ لا يكون نسخا إلا ما كان نفيا لحكم غيره بكل معانيه ، حتى لا يجوز اجتماع الحكم بالامرين جميعا على صحته بوجه من الوجوه ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان غير مستحيل في الكلام أن يقال : وأن احكم بينهم بما أنزل الله ، ومعناه : وأن احكم بينهم بما أنزل الله إذ حكمت بينهم باختيارك الحكم بينهم إذا اخترت ذلك ولم تختر الاعراض عنهم ، إذ كان قد تقدم إعلام المقول له ذلك من قائله أن له الخيار في الحكم وترك الحكم كان معلوما بذلك أن لا دلالة في قوله : وأن احكم بينهم بما أنزل الله أنه ناسخ قوله : فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط لما وصفنا من احتمال ذلك ما بينا ، بل هو دليل على مثل الذي دل عليه قوله : وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط . وإذا لم يكن في ظاهر التنزيل دليل على نسخ إحدى الآيتين الأخرى ، ولا نفي أحد الامرين حكم الآخر ، ولم يكن عن رسول الله ( ص ) خبر يصح بأن أحدهما ناسخ صاحبه ، ولا من المسلمين على ذلك إجماع صح ما قلنا من أن كلا الامرين يؤيد أحدهما صاحبه ويوافق حكمه حكمه ولا نسخ في أحدهما للآخر . وأما قوله : وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا فإن معناه : وإن تعرض يا محمد عن المحتكمين إليك من أهل الكتاب فتدع النظر بينهم فيما احتكموا فيه إليك ، فلا تحكم فيه بينهم ، فلن يضروك شيئا ، يقول : فلن يقدروا لك على ضر في دين ولا دنيا ، فدع النظر بينهم إذا اخترت ترك النظر بينهم .